محمد بن جرير الطبري
526
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
فسمع بذلك أهل القرية فشقوا ثيابهم ، وذروا التراب على رؤوسهم ، وعجوا بالعويل في أزقتهم وأسواقهم ، وجعل بعضهم يودع بعضا ثم ساروا حتى أتوا الملك فقالوا : نحن خارجون بأجمعنا إلى هؤلاء القوم فدافعون إليهم أيدينا ، لعلهم ان يرحمونا فيقرونا في بلادنا قال لهم اسا الملك : معاذ الله ان نلقى بأيدينا في أيدي الكفرة ، وان نخلى بيت الله وكتابه للفجره ! قالوا : فاحتل لنا حيله ، واطلب إلى صديقك وربك الذي كنت تعدنا بنصره ، وتدعونا إلى الايمان به ، فان هو كشف عنا هذا البلاء ، والا وضعنا أيدينا في أيدي عدونا لعلنا نتخلص بذلك من القتل . قال لهم اسا : ان ربى لا يطاق الا بالتضرع والتبتل والاستكانة قالوا : فابرز له لعله ان يجيبك فيرحم ضعفنا ، فان الصديق لا يسلم صديقه على مثل هذا فدخل اسا لمصلى ، ووضع تاجه من رأسه ، وخلى ثيابه ، ولبس المسوح وافترش الرماد ، ثم مد يده يدعو ربه بقلب حزين ، وتضرع كثير ، ودموع سجال ، وهو يقول : اللهم رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ، اله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ، أنت المستخفى من خلقك حيث شئت ، لا يدرك قرارك ، ولا يطاق كنه عظمتك ، أنت اليقظان الذي لا تنام ، والجديد الذي لا تبليك الليالي والأيام ، أسألك بالمسألة التي سالك بها إبراهيم خليلك فاطفات بها عنه النار ، وألحقته بها بالابرار ، وبالدعاء الذي دعاك به نجيك موسى فانجيت بني إسرائيل من الظلمة ، وأعتقتهم به من العبودية ، وسيرتهم في البر والبحر ، وغرقت فرعون ومن اتبعه وبالتضرع الذي تضرع لك عبدك داود فرفعته ، ووهبت له من بعد الضعف القوه ، ونصرته على جالوت الجبار ، وهزمته وبالمسألة التي سالك بها سليمان نبيك فمنحته الحكمة ، ووهبت له الرفعة ، وملكته على كل دابه أنت محيى الموتى ، ومفنى الدنيا ، وتبقى